عمر فروخ
110
تاريخ الأدب العربي
العقل ما يحسن أن يعدل به في القضيّة غير عادل « 1 » عن الإنصاف ويحكم بالسويّة غير مائل إلى الإسراف والإجحاف « 2 » ، فالأولى به ألّا ينظر إلى أحد إلّا بعين الاستحقاق والاستيجاب « 3 » ؛ ولا يجلّ أحدا الّا بقدر محلّه من الآداب فلا يعظّم الجاهليّين « 4 » إذا أخّرتهم معايب أشعارهم ، ولا يستحقر المحدثين لتأخّرهم ( في الزمن ) إذا قدّمتهم محاسن آثارهم . . . . . وقد جرى يوما حديث المتنبّي في بعض مجالس أحد الرؤساء فقال أحد حاملي عرشه : « سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه وجعل له من المحاسن ما يعثره « 5 » فيه كلّ من تقدّمه . ولو أنصف لعلّق شعره كالسبع المعلّقات ( على ) الكعبة ، ولقدّم على شعراء الجاهلية في الرتبة . . . . ( ولم يقل ) شاعر إسلاميّ ولا جاهليّ مثل قوله في صفة الفرس : رجلاه في الركض رجل واليدان يد ، * وفعله ما يريك الكفّ والقدم . لقد أبدع المتنبّي ما شاء وأغرب ، وأفصح عن الغرض وأعرب » . فقلت * : للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه ، وهو قوله : . . . . . رجلاه رجل واليدان يد إذا * أحضرته ، والمتن أذلق سالم « 6 » ! فصاح * وقال : « يا قوم ، أهذا شعر إنسان له مسكة من عقله بها « 7 » من فضّله ؟ واللّه ، إنّ للمتنبّي غلمانا وأتباعا أجلّ من هذا البليد المجهول . من أيّ قبيلة هذا الساحر « 8 » الذي تكلّم بمثل هذا الفضول ؟ »
--> ( 1 ) عادل : مائل ( جائر ، ظالم ) . ( 2 ) الاسراف : التبذير ( الانفاق في غير طاعة ) : الحكم في الأدب بالمبالغة من غير معرفة . أجحف به : ذهب به ( نقصه شيئا من حقه ) . ( 3 ) الاستيجاب ( ؟ ) : الاستجابة ( القبول لما يقضي به الحق ) . ( 4 ) في الأصل : الجاهلية ( بالهاء ) . ( 5 ) كذا في الأصل . اقرأ : يعثر ( ؟ ) كل من تقدمه ( يخطئ فيه أولئك الذين جاءوا قبل المتنبي ) . ( 6 ) أحضرته : جعلته يسابق ( الخيل ) . المتن : الظهر . أذلق : له حد ، ظهره مستو ( غير كثير الانخفاض ) . وذلق ( بتشديد اللام ) الفرس : ضمره . ( 7 ) المسكة ( بالضم ) : العقل الوافر . مسكة من عقل : قليل من عقل . - من عقله به من فضله ( كذا في الأصل ) يبدو أنه ينقص كلمة أو أكثر من كلمة قبل « بها » : « يتعلق بها » . ( 8 ) الساحر ( كذا ) . الشاعر ( ؟ ) .